اسماعيل بن محمد القونوي

445

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

كما قال واثبات لما نفوه مؤكدا بالقسم وهو قوله : وَرَبِّي [ سبأ : 3 ] لفظ الرب هنا أوقع من سائر الأسماء إذ اتيان الساعة من آثار التربية . قوله : ( مقرر الوصف المقسم به بصفات ) المقسم به وهو الرب كما عرفته بصفات وهو علم الغيب وعدم خروج شيء من علمه وجزاء المحسنين وفيه إشارة إلى أن إضافة العالم إلى الغيب معنوية لدلالته على الدوام والثبوت فيكون صفة مدح ولذا رجح كونه صفة على كونه بدلا أو عطف بيان . وضع اللّه في العقول وركب في الغرائز وجوب الجزاء وإن المحسن لا بد له من ثواب والمسئ لا بد له من عقاب وقوله : لِيَجْزِيَ [ سبأ : 4 ] متصل بقوله : لَتَأْتِيَنَّكُمْ [ سبأ : 3 ] تعليلا له قال صاحب الفرائد كلامه مشعر بأن اليمين لم تكن مصححة فوجودها وعدمها سواء في التصحيح والتصحيح إنما يكون بالحجة القاطعة فلزم أن لا فائدة في اليمين ههنا وهذا مما لا سبيل إليه وقد مر أن إعادة ما قيل بعد الإنكار لا بد من أن يكون مقترنا بالقسم وإلا كان خطأ بحسب المعاني فلما أوجبت الحكمة الإعادة وجب اقترانها بالقسم سواء كان القسم مصححا لما أنكروه أو غير مصحح وقال الطيبي رحمه اللّه والعجب من هذين الفاضلين كيف ذهلا عن جدوى هذه اليمين وجليل عائدتها في هذا المقام فإنهم جربوه صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يشاهدوا منه إلا الحق ولم يسمعوا غير الصدق ولهذا سموه بالأمين وما كان تكذيبهم إلا عن عناد ومكابرة وحسد يدل عليه ما أورده في الإنعام عند قوله تعالى : فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [ الأنعام : 33 ] عن أبي جهل واللّه إن محمدا لصادق وما كذب قط ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء إلى آخره وفي حم عند قوله تعالى : أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ [ فصلت : 13 ] وعن عتبة بن ربيعة وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب إلى غير ذلك فأتى أولا بالنص القاطع المقرر بالقسم المعنون بالوصف المناسب وعقبه بالبرهان الساطع بلو لأن تقريرا بعد تقرير وأنك إذا أمعنت النظر وجدت جل الأقسام التنزيلي غير مقترن بشيء من الحجة وكان ذكر الحجة ههنا كالتتميم للنص والمتفرع على الأصل وإنما اقتضى هذا التوكيد وهو إتيان بلى وإعادة قوله : لَتَأْتِيَنَّكُمْ [ سبأ : 3 ] ثم الاقسام عليه ثم في اتباعه بالوصف المناسب ثم انضمام البرهان مع ذلك أنه تعالى افتتح هذه السورة الكريمة بذكر الحمدين الجامعين ورتب عليه الحمد في الآخرة على نعمة الثواب فأذن بأن القصد في خلق السماوات والأرض إلا المعرفة والعبادة ثم جزاء المحسن العارف العابد وعقاب المسئ المعاند لقوله تعالى : رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ [ آل عمران : 191 ] ولهذا استبعد استبعاد من يكفر بذلك حيث عطف وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ [ سبأ : 3 ] على ما قبله كقوله تعالى : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [ الأنعام : 1 ] وجعل الظلمات والنور ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [ الأنعام : 1 ] فاقتضى المقام لذلك أن يؤكد الكلام بكل ما أمكن من المؤكدات فجيء أولا ببلى تقريرا ثم أعيد ما أنكروه تمهيدا ثم أقسم عليه باسمه ووصف بما يناسب الجواب تنصيصا ثم ختم ذلك بالبرهان تتميما وإيذانا بقصور فهمهم عن إدراك النص القاطع وينصره قول الإمام وعندي أن الدليل المذكور في قوله : عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ [ سبأ : 3 ] لظهر وذلك أنه إذا كان عالما بجميع الأشياء يعلم أجزاء الأحياء ويقدر على جمعها فالساعة ممكنة القيام والصادق قد أخبر عنه فتكون واقعة واللّه أعلم .